الجيش الأخضر، أو الجيش الذي يزرع الحياة، اختاروا أنتم التسمية التي تريدون.

في شاحنة نقل خفيفة ومكشوفة تنقل عاملات القطاع الفلاحي، بأعداد كبيرة.  حوادث مرور متكررة، وذات مرة سمعنا تلك العبارة القاصمة للقلب “نساوين الدوّار الكل ماتوا” بمعنى لقد ماتت كل نساء القرية.  نقاش طويل عريض، صراخ على الهواء في البرامج التلفزية. تنافس على ذرف الدموع من أجل النسوة شهيدات الخبز والإهمال.

ذاكرتنا مثقوبة أم نحن أنانيون نتذكرهم فقط عند الحاجة

برنامج حكومي للإحاطة القانونية بهنّ تحت عنوان” أحميني” للنهوض بحقوقهنّ في ما يتعلق بالضمان الاجتماعي و ترفيع أجر العمل في الزراعة وغيرها من مهن النساء الشاقة، بالإضافة إلى وعود بتحسين ظروف نقلهنّ لتفادي الحوادث القاتلة والمتكررة. لكن مثل العادة ننسى كأن شيئا لم يكن أو لأن الموت والحوادث وكذب الوعود الحكومية خبزنا اليومي في الجمهورية التونسية أو مملكة الوعود المنسية.

هل نحمل ذاكرة ذبابة أم نحن شعب بذاكرة سمكة ونقع في نفس الطعم وفخ الوعود الزائفة وننسى بسرعة كل مرة؟

أحد شروط استحقاق المواطنة، ممارسة الرقابة على السلطة الحاكمة.

منذ عامين ومع نفس الوزير كان الأطباء وطلبة كليات الطب يحملون مطالب عديدة منها مثلا تحسين وضعية المستشفيات ووضعيتهم المهنية ليتمكنوا من تقديم خدمات أفضل للمواطنين التونسيين. ماذا كان موقفنا إزاءهم؟ و من رفضهم العمل في مستشفيات داخلية تفتقر لكل شيء، تأسف على دراما الموت الأسود يقابل الطبيب كل مرة لغياب آلة أو لتعطلها وتركها دون إصلاح، فيرى المريض يموت أمامه بلا حول ولا قوة. هل الجملة صادمة؟ ربما !  لكن موت أحد عشر رضيعا وتسليمهم إلى أهاليهم في علب ورق مقوى، في أي خانة من المشاهد المرعبة يمكن تصنيفه؟ وهذا العجز الذي اكتشفناه في القطاع الطبي، وقد ننساه بعد مرور الجائحة بسلام إن شاء الجبار القهار ماذا نسميه؟

جيش أبيض كان قبل عامين متروكا يصارع لوحده تركة قانونية ووضعية قطاع طبي لوحده. حياتنا اليوم موضوعة بين يديه.

جيش أخضر أو الجيش الذي يزرع الحياة تركناه، ومازلنا، لوحده أمام أجر لا يحفظ الحد الأدنى من الكرامة ووجها لوجه مع شاحنات الموت. و نطالبه اليوم أن يطعمنا.

الأطباء لم يتركوا الحرب وهذا واجبهم. النساء عاملات القطاع الفلاحي لم يتركن الأرض وها نحن نأكل بفضلهم.

وأين نحن من كل هذا ؟ هل نحن مواطنون سندافع عنهم وبالتالي عن حقوقنا الأساسية بعد مرور الجائحة وأنا من أشد المتفائلين؟

جائحة كورونا تؤسس لنوع من المساواة الرمزية

من بين الأحلام التي كنت أعيشها داخل رأسي، (وأنا هنا لست محايدا أبدا بل منحاز إلى المزارعات، وأعتقد أن الطبيبات يعتبرن بحق بمثابة ملاك الرحمة)  الحلم بسيط أن يفهم الجمهور الواسع بكل أطيافه أن الطبيبة والمرأة التي تفلح الأرض على قدر الأهمية الرمزية، واحدة تنقذ الحياة وأخرى تزرع من أجل الحياة. ها هو درس متعدد المعاني من أصغر الكائنات على سطح الأرض.

توحيدة بالشيخ الطبيبة والمناضلة على وجه ورقة نقدية من فئة العشرة دنانير ومن ورائها، صورة لأواني مصنوعة من الطين بسواعد نساء سجنان. و قد دخلت هذه الحرفة في سجلات التراث العالمي لمنظمة اليونسكو.

ربما هو اعتراف رمزي بهذا التكامل بين نساء تونس من مختلف الفئات الاجتماعية، أو تأكيد لأن تونس في جانب ما هي هبة نسائها.

جيش! أو ربما ملائكة الرحمة وملائكة الزراعة أفضل أم البشرية مازلت بعد على مستوى التفاخر بالتنظيم بالقوة العسكرية، وكل شيء ذو قيمة نعطيه لفظ جيش (لو تجرأت وفكرت فقط في الأمر من زاوية معاكسة، فقد تسمع أنك لست وطنيا) . هل يمكن أن تكون فردا في جيش ومهمتك الأساسية هي زرع الحياة ومحاولة حمايتها؟ أم نحن ضحايا استعارات لغوية لن نملك الجرأة الكافية لتغيرها؟

إنها حرب أو ربما صراع مع أنفسنا لجعل الواقع أفضل والقيام بواجبنا كمواطنين في اختيار وانتخاب من يقترح النموذج الطبي الأكثر عدالة، والقيام بمراقبة تنفيذ برامج من قمنا بالتصويت لصالحهم.  نحن في حاجة لأطباء أكثر ولدواء أكثر من الرصاص، وللتكامل البشري والتضامن الكوني أكثر من الصراع. نحن في حاجة لموارد الأرض الأولية ولفعل الزراعة لا لسلب الأرض ثرواتها الباطنية حد استنزافها.

Poster un Commentaire

avatar
  S’abonner  
Notifier de