قد تتوقف الكثير من الأشياء في هذه الأزمة العالمية، الرحلات الجوية التجمعات الكبيرة ويكون القسم الأكبر من الناس في منازلهم. لكن هناك أشياء لا يمكنها التوقف. الطواقم الطبية التي تحولت إلى خط الدفاع رقم واحد من أجل إنقاذ حياتنا. مصانع الأدوية ومواد التعقيم وصناعة الآلات الطبية. وطبعا كل المهن الأساسية في حدودها الدنيا للاستمرار البشري.

لكن هناك عملا فطريّا لا يتوقف عنه البشر أبدا في أي حالة وأي وضعية وفي كل سياقات التاريخ، فما هو هذا الفعل الذي لا يوقفه أي شيء؟ 

إنه بكل بساطة النطق بالكلمات وصياغة اللغة، وولادة أو استحضار مصطلحات جديدة خاصة بسياقنا والظرف البشري الذي نعيشه. اليوم والإنسانية تواجه خطر جائحة كوفيد 19 ما هي اللغة الأكثر تداولا، التي نزلت الحرب ضد الفيروس رفقة الطواقم الطبية  وتجارب الأمصال واللقاحات (قيل أن تشرتشل جند اللغة الأنقليزية في الحرب العالمية الثانية) ؟ ما هي أهم المفاهيم التي طفت على السطح وهيمنت على الخطاب الطبي والاجتماعي في فترة مقاومة انتشار الوباء ؟

سنقوم  في هذا المقال بمحاولة تتبع أهم المفاهيم والمصطلحات الطبية، التي علينا فهمها في زمن مقاومة الوباء. فاللغة تحمل قواعد صحية تحمينا عند اتباعها، وكذلك أمانا وأملا نتسلح به عندما تسمع جملا مليئة بالتضحية من قبل “نحن في المستشفى من أجلك” أو “شد دارك“.

 

خطاب جديد ولغة أخرى ولدت بعد كورونا 

كلمات أصبح لها الوقع الأكبر، والشخصيات العلمية (أطباء خبراء مختصون) صارت أهم من رجال السياسة والاقتصاد.  ندخل مرحلة لكل كلمة معناها المحدد وأثرها السلوكي والنفسي على مواطني بلد بعينه أو سائر الإنسانية. 

عاش العالم  قبل الكورونا صعود موجات العنصرية وخطابات اليمين المتطرف المعادية للاجئين والمثليين وحقوق المهاجرين والمرأة، وهي خطابات ساخرة من الحركات البيئية والايكولوجية. كل هذه الخطابات تتراجع وتسقط أمام الخطاب العلمي الواضح و المنهجي الذي يتضمّن عبارات إجرائية (حسب عبارة الفيلسوف جون أوستن) عبارات فيها الأفعال والإجراءات الواضحة التي علينا اتباعها من أجل البقاء على قيد الحياة، وتفادي انتشار الفيروس وتعريض حياة الآخرين للخطر. 

مفاهيم طبية كلاسيكية ومألوفة في فهرس الدراسات الطبية، وأخرى وافدة لم نسجل حضورها كثيرا في المعجم الطبي السائد من قبيل التباعد الاجتماعي ومناعة القطيع، و التي طفت على الساحة في هذا الوقت.  ونقاشات حول دور الدولة الاجتماعي وواقع القطاع الطبي وأهمية الصناعات الطبية والدوائية. وحقيقة نجاح العولمة والتضامن بين الدول. 

أسماء منظمات أصبحت تحتل العناوين الكبرى للأخبار والجرائد، منظمة الصحة العالمية و أطباء بلا حدود. هذه المواجهة مع الكورونا لا يمكن أن تتمّ بكلمات فضفاضة مثل باقي المشاكل أو النزاعات البشرية من قبيل الأمين العام للأمم المتحدة يعرب عن قلقه (وقلقه دائم للأمانة حتى تحولت الجملة إلى نكتة سخيفة). هنا بيانات وتصريحات مسؤولي منظمة الصحة الدولية في الأغلب دقيقة ومحددة وواضحة تضممن أفعالا بعينها علينا اتباعها.  كلمات أصبحت بمرتبة قوانين، يشرعها أهل الإختصاص وأصحاب الميداعات البيصاء.

اللغة أيضا تتجند من أجل محاربة فيروس كوفيد 19.

 

أصحاب القرار والمسؤولية الايتقية والقانونية زمن الكورونا من هم؟ 

حتى ترتيب وهرمية السلطة تغيرت في فرنسا فأصبحت سلطة التقدير والتقرير للمجلس العلمي الذي يستشيره الرئيس ماكرون. اليد العليا والسلطة والأمل والرجاء وحتى القرار.. كلها في يد المجلس العلمي. المنطق العلمي هو الذي يقرر أن هذه الأوبئة لا تواجه بالخطابات الجياشة رغم أهمية المشاعر والأمل في هذه الأزمات. فمصطلحات الحفاظ على السلامة والصحة النفسية زمن الأزمة أيضا صارت موضوع نقاش أساسي. وإعادة توزيع الزمن الاجتماعي ونحن متباعدون كل في حجرة من أجل مصلحة الكل.  أو ما هي تلك الرسائل التي لا يسلط عليها الضوء ولا تظهر أمام العموم. رسائل حب زمن الكورونا ورسائل دعم الطواقم الطبية من شركائهم العاطفيين وأصدقائهم. هذه الزوايا على هامش كل حدث تاريخي مفصلي علينا أن نفكر فيه أيضا. دائما مع السرديات الكبرى هناك سرديات صغرى وخاصة ربما منها ذلك التآزر بين البشر وكم الحب والدعم زمن الأزمة (نختبر الحديد مثلا بالضغط عليه وقد نختبر إنسانيتنا بكم العطاء والدعم النفسي الآن خاصة لمن هم على خط المواجهة الرئيسي.)

 

بعض مطلحات الكورونا ذات البعد الإجتماعي

تجدر بنا الإشارة في البداية، أن المصطلحات لها علاقة بين ماهو طبي وقائي وله اثر إجتماعي مباشر، وهي محاولة لتسليط الضوء على هذا المبحث الجديد.

 العزل الاجتماعي  distanciation sociale

 يسمى أيضا التباعد الاجتماعي هو من المفاهيم الوافدة على المجال الصحي خاصة في فترة الأوبئة. وهو من المصطلحات التي يجامع فيها الطبي التقني بالاجتماعي الإنساني حيث هي جملة من القواعد الطبية تطبق وفق معايير ذاتية تؤثر على شكل العلاقات الاجتماعية.  ونقلا عن موقع شبكة “بي بي سي عربي” إن خبراء و مختصين يفسرون تطبيق التباعد الاجتماعي كالتالي:

لتطبيق التباعد الاجتماعي ينبغي عليك العمل من المنزل كلما كان ذلك متاحًا، وتجنب كل التنقلات والسفرات غير الضرورية، واحرص على الابتعاد عن الأماكن المزدحمة كالنوادي والمسارح وغيرها، وتجنب الاجتماع بالأصدقاء قدر الإمكان.

 ويعد العزل المنزلي أيضا وسيلة للتباعد الاجتماعي:

يُقصد بالعزل الذاتي البقاء في المنزل، وعدم مغادرته لأي سبب؛ مما يعني عدم الذهاب للعمل أو المدرسة أو أي مكان عام خلال هذه الفترة، كما يجب عليك، إذا أمكن، ألا تغادر المنزل حتى لشراء طعام أو أي مواد أساسية أخرى.

وإذا لم تتوفر خدمة توصيل واضطررت للخروج من المنزل لشراء احتياجاتك، فعليك الالتزام بعدم التواصل الاجتماعي.

وتطبق إجراءات العزل الذاتي على كل شخص تظهر عليه أعراض العدوى بفيروس كورونا مثل ارتفاع الحرارة إلى 38 درجة أو أكثر، مع سعال مستمر، وصعوبة في التنفس، كما تطبّق مع أي شخص يعيش في بيت به شخص لديه هذه الأعراض.

وتقوم الدولة بمحاولة تطبيق استراتيحية التباعد الإجتماعي عبر أجهزتها المختلفة لمحاولة وقف انتشار الفيروس المستجد كوفيد 19. من بين المؤسسات التى أصبح إسمها دارجا في تونس نجد المرصد الوطني للأمراض الجديدة والمستجدة l’Observatoire National des Maladies Nouvelles et Emergentes ، وتترأسه الدكتورة نصاف بن علية وهي مختصة في  علم الأوبئة والوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية. ويقوم المركز وبمعاضدة من كافة المتدخلين في المجال الطبي بجهود مقاومة وباء كوفيد 19 في تونس.

مناعة القطيع Immunité grégaire

تسمّى كذلك  مناعة المجتمع. هي شكلٌ من أشكال الحماية غير المُباشرة من مرضٍ معدٍ، أو انتشار وبائي وتحدث عندما تكتسبُ نسبةٌ كبيرةٌ من المجتمع مناعةً لعدوًى معينة، إما بسبب الإصابة بها سابقًا أو التلقيح، مما يُوفر حمايةً للأفراد الذين ليس لديهم مناعةٌ للمرض. إذا كانت نسبةٌ كبيرةٌ من السكان تمتلك مناعةً لمرضٍ معين، فإنه يُساعد في عدم نقل هؤلاء الأشخاص للمرض، وبالتالي يُحتمل أن تتوقف سلاسل العدوى، مما يؤدي إلى توقف أو إبطاء انتشار المرض.

كُلما زادت نسبة الأفراد الذين لديهم مناعةٌ في المجتمع، كلما يقلُ احتمال اختلاط الأفراد الذين لا يمتلكون مناعةً مع أشخاصٍ ناقلين للمرض، مما يُساعد على حمايتهم من العدوى.

استخدم مُصطلح مناعة القطيع للمرة الأولى في عام 1923. وقد اعتُرف به كظاهرةً تحدثُ طبيعيًا في ثلاثينيات القرن العشرين، وذلك عندما لوحظ أنه بعد تطويرِ عدد كبيرٍ من الأطفال لمناعةٍ ضد الحصبة، فإنَّ عدد الإصابات الجديدة قد انخفض مؤقتًا، خصوصًا بين الأطفال المُعرضين لخطر الإصابة به.

 

ماهي الدروس التي ربما نتعلمها من كوفيد 19؟

دائما هناك مساحات مخفية علينا التفكير حولها، وأشياء جديدة علينا محاولة تعلمها. ودائما ما كان بقاء البشرية غاية إنسانية غريزبة وفطرية. يعلمنا هذا الكائن المجهري شديد الصغر إعادة التفكير في ترتيب أولوياتنا. زمن الحرب الوبائية يمكن أن يعود العالم إلى أشبه بالقرصنة وتكون أكثر الدول قدرة على المواجهة هي الدول ذات النظام الصحي المتكامل لها صناعتها الطبية المحلية ولها خاصة سرعة اتخاذ القرار والاستجابة السريعة بأخذ الاحتياطات والتدابير اللازمة. ربما هذه الاستنتاجات وأكثر مستخلصة من كوفيد 19 فصحة عادلة يمكن أن تتوفّر بالإرادة والتضامن وحسن التخطيط مثل النموذج الكوبي.. و صناعة محلية غير مكلفة ممكنة مثل مبادرات تصنيع مدارس المهندسين وبعض الشركات في تونس.. و الأمل والعلم والتضامن الإنساني هما سبيل الخلاص الإنساني..

دائما يخفي العقل البشري قدرة عظيمة على التفكير، سوف تتجاوز البشرية هذه الأزمة كما علمنا التاريخ لكننا سنولد من جديد مثل شمس تشرق محملة بأحلام الشفاء كل صباح.