صورة المقال: المركز الاستشفائي لغرب غويانا – المصذر: صفحة الفايسبوك الرسمية للمستشفى

ليست غويانا الفرنسية، ذلك البلد الصغير الواقع في شمال شرق أمريكا اللاتينية على بعد حوالي العشر آلاف كيلومتر عن تونس، وجهة تقليدية جدا لأطبائنا الشبان المهاجرين. ولكن من هناك أيضا تردنا أخبار عن نجاحات طبية يحققها زملاء لنا وتطالعنا بها الانترنات حتى وإن فصلتنا عنهم المسافات.

مضت حوالي الست سنوات منذ آخر مرة رأيت فيها صديقي الدكتور محمد وهاب عبد الله. كنت سنة 2014 متربصا داخليا بأكبر قسم للنساء والتوليد بمركز وسيلة بورقيبة، وكان آخر عهدي به آنذاك طبيبا مقيما في بداياته. لم أعرف عنه إلا الجد وخفة الظل وكان من القلائل الذين لم تمسح اوزار المنظومة المهترئة الابتسامة من على محياهم بعد. كنت أحدثه عن رغبتي في الخروج إلى ألمانيا بعد اكمال أطروحة الدكتوراه، وكان يحدثني عن رغبته في البقاء في تونس. كان يقول لي أنه يؤمن بأن التغيير ممكن، وكنت أرى فيه عزما خلته غادرني منذ سنوات.

صدفة يعترضني أواخر الشهر المنقضي منشور لمركز استشفائي في غويانا الفرنسية على صفحته الرسمية على الفايسبوك، يعلن فيه أن الطبيبين محمد وهاب عبد الله وماجد غراد نجحا في عملية استئصال ورم خبيث من الرحم باستعمال تقنية المنظار. وعليه فإن المستشفى سعيد بأن يعلن لمرضاه بعث وحدة جراحية مختصة في الغرض بمناسبة هذا النجاح. دامت جراحة الاستئصال حسب اعلان المستشفى أربع ساعات ونصف لم تتلها أي تعقيدات، وغادرت المريضة المستشفى بعد أربع أيام إقامة.

ماجد كان أيضا من مقيمي وسيلة المخضرمين الذين ساهموا في ميلاد آلاف مؤلفة من الرضع التونسيين وفي انقاذ حياة آلاف مؤلفة من الأمهات التونسيات ومساعدتهن على الولادة. كان قد نجح في مناظرة المساعدين الاستشفائيين الجامعيين، ولم يكن ذلك بالغريب عنه، فمن يعرف ماجد يعلم أنه كان لا يتوانى عن تأطير طلبة الطب من المراحل الأولى والثانية منذ كان طبيبا مقيما، والحق هنا يقال فإن الظفر بنفس بيداغوجي حقيقي عند المقيمين يؤهلهم للالتحاق بالمسار الاستشفائي الجامعي ليس بالأمر الهين. 

لم أكن أعرف أن محمد وهاب وماجد قد ركبا الأمواج حتى أمريكا اللاتينية في المدة التي أكملت فيها من جهتي مشروع هجرتي إلى ألمانيا. كانا من المقتنعين بأن المستقبل الآن وهنا، وبأن في زحمة التدحرج بعضا من الأمل في ارتقاء قد يأتي يوما. هاتفت محمدا وهنأته بالإنجاز الذي حققه برفقة ماجد واستغللت الفرصة لأهمس له استغرابي من مغادرته لتونس رغم ما كان يحدثني به سابقا.

جاءني الجواب منكسرا وهو يرسل لي على المسنجر شهادات التقدير التي أسندتها له السلطات لمساهماته في تدعيم النشاط الطبي في المناطق الداخلية. ” أما تزال تذكر أحاديثنا في حصة المناوبة بين الطوارئ المختلفة.. كنت أتمنى أن نعلن مثل هذا النجاح من قفصة أو من سيدي بوزيد أو من مدنين.. ولكن ماذا فعل أولوا الأمر حتى نكون قادرين على ذلك فعلا؟ هل التحفيز ينحصر في المال؟ أم هل أن هناك ثقة يجب أن تــُـبنى، ووسائل يجب أن تتوفر، واستمرارا في التكوين وصقل الخبرات المكتسبة يجب أن يُضمن؟”.

حقوق الصورة محفوظة لشبكة أطباء شبان تونسيون- تم النشر بموافقة الدكتور محمد وهاب عبد الله

كانت بقية الحديث استرجاعا لنفس الكلام الذي كنا نردده بيننا في أروقة المستشفى قبل ست سنوات. للحظة أحسست أن الوقت يتقدم في أرجاء الأرض بينما يكبح فرامله بقوة عندنا، وأن لحظة ما من الماضي تأبدت بفعل فاعل فصارت هي الحاضر والمستقبل معا. أن يرد مستشفى في أقاصي الكوكب الاعتبار علانية لأطباء شبان ركبوا ذات يوم من مطار تونس قرطاج بحثا عن روح الحياة التي غادرتهم فذلك لعمري مشهد أخاله سوف يتردد كثيرا في هذا الزمن الصعب والحزين.

رجوته أن أنشر محادثتنا حتى نصيب بعضا من الضمائر الباقية دوما على العهد. قديما كانت القبائل عندما تشح مواردها ترسل بعضا من شجعانها للبحث عن موارد جديدة، علهم يوما يعودون بما ينفخ الحياة في أحلامنا المتهالكة تعبا على أرائك الزمن.

Résident en Psychiatrie